صديق الحسيني القنوجي البخاري

190

فتح البيان في مقاصد القرآن

وسرائركم التي كنتم تخفونها في الدنيا خافية كائنة ما كانت ، والتقدير أي نفس خافية أو فعلة خافية ، قرىء بالتاء والياء وهما سبعيتان . ولما ذكر سبحانه العرض ذكر تفصيل ما يكون فيه فقال فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ أي أعطي كتابه الذي كتبه الحفظة عليه من أعماله فَيَقُولُ خطابا لجماعته لما سر به أو لأهله وأقربائه . هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ قال ابن السكيت والكسائي : العرب تقول « ها » يا رجل ، وللاثنين هاؤما يا رجلان وللجمع هاؤم يا رجال ، قيل والأصل هاكم فأبدلت الهمزة من الكاف ، قال ابن زيد ومعنى هاؤم تعالوا وقال مقاتل هلم وقيل خذوا ، والذي صرح به النحاة أنها بمعنى خذ تقول ها بمعنى خذ ، هاؤما بمعنى خذا ، وهاؤم بمعنى خذوا فهي اسم فعل ، وقد يكون فعلا صريحا لاتصال الضمائر البارزة المرفوعة بها ، وفيها ثلاث لغات كما هو معروف في علم الإعراب . والهاء في كتابيه وسلطانيه وماليه ، هي هاء السكت ، وقرأ الجمهور في هذه بإثبات الهاء وقفا ووصلا مطابقة لرسم المصحف ، ولولا ذلك لحذفت في الوصل كما هو شأن هاء السكت ، واختار أبو عبيد أن يتعمد الوقف عليها ليوافق اللغة في إلحاق الهاء في السكت ، ويوافق الخط يعني خط المصحف ، وقرأ جماعة بحذفها وصلا ، وإثباتها وقفا في جميع هذه الألفاظ واختار أبو حاتم هذه اتباعا للغة ، وقرىء بحذفها وصلا ووقفا ، تنازع في كتابيه هاؤم واقرأوا فاعمل الأول عند الكوفيين والثاني عند البصريين ، وأضمر في الآخر أي : هاؤموه قرأوا كتابيه أو هاؤم اقرؤوه كتابيه . إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ أي علمت وأيقنت في الدنيا أني أحاسب في الآخرة ، وقيل المعنى إني ظننت أن يؤاخذني اللّه بسيئآتي فقد تفضل عليّ بعفوه ولم يؤاخذني ، قال الضحاك كل ظن في القرآن من المؤمن فهو يقين ومن الكافر فهو شك ، قال مجاهد ظن الآخرة يقين وظن الدنيا شك ، قال الحسن في هذه الآية أن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل للآخرة وأن الكافر أساء الظن بربه فأساء العمل . قيل والتعبير بالظن للإشعار بأنه لا يقدح في الاعتقاد ما يهجس في النفس من الخطرات التي لا تنفك عنها العلوم النظرية غالبا ، قال ابن عباس : ظننت أي أيقنت ، قال النسفي : وإنما أجرى الظن مجرى العلم لأن الظن الغالب يقوم مقام العلم في العبادات والأحكام ، ولأن ما يدرك بالاجتهاد قلما يخلو عن الوسواس والخواطر وهي تفضي إلى الظنون ، فجاز اطلاق لفظ الظن عليها لما لا يخلو عنه . فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ أي مرضية لا مكروهة أو ذات رضا يرضى بها صاحبها لا يضجر منها ولا يملها ولا يسأمها قال أبو عبيدة والفراء : راضية أي مرضية كقوله ماءٍ